حسن حنفي

601

من العقيدة إلى الثورة

الحكمة . تنشأ أمور المعاد اذن نشأة سياسية اجتماعية اقتصادية « 320 » . وبطبيعة الحال أن ينشأ رد فعل على التصور الثنائي وأن ينشأ تصور بديل هو التصور الواحدي للعالم . فهناك دنيا واحدة وآخرة واحدة هي نفسها الدنيا . فالجنة والنار هما النعيم والعذاب في هذه الدنيا وليس في عالم آخر يحشر فيه الانسان بعد الموت . الدنيا هي الأرض ، والعالم الآخر هو الأرض . الجنة ما يصيب الانسان من خير في الدنيا ، والنار ما يصيب الانسان من شر فيها . وهو ما قاله الفلاسفة أيضا عن النعيم الروحي والعذاب الروحي في هذا العالم وانكار النعيم البدني والعذاب البدني في عالم آخر . ولا يهم ما ذا تعنى الدنيا هل هي

--> ( 320 ) وقد لاحظ أيضا الشيخ حسين الجسر هذه النشأة السياسية لأمور المعاد بقوله « ان الأهواء والشهوات وحب اللذات لا يقاومها مجرد القوانين التي يقيمها العلم السياسي . فلا بد من وازع آخر يزع النفوس من المضار ، ومرجح يرجح اتباع فريق الخير وهجران سبيل الشر وهو الايمان بالمعاد والمكافأة على الاعمال ان خيرا فخير وان شرا فشر . والا فليتأمل العاقل في الانسان إذا كان يعتقد أنه مثل نبات الأرض ينبت ثم يزول لا إلى رجعة وليس له حظ من وجوده الا لذاته الحيوانية التي ينالها مدة حياته . فمهما سن له العلم السياسي من الضوابط لمعرفة حاله وما عليه فإذا قدر على قتل سواه وأخذ ماله الّذي يبلغ الملايين بدون أن يطلع عليه أحد من الناس وهتك أشرف عرض وبلوغ لذة بدون اطلاع أحد فهل يظن أن تلك القوانين التي سنها له العلم السياسي ترده عن ارتكاب ذلك ؟ لا يقول بذلك الا مكابر . ومن المعلوم أن الانسان مفطور على حب ذاته . فمن يدرى به حق الدراية لا يأمن له في شيء الا إذا وجده مرتبطا بالدين . وانا نرى أن بعض الأمم تعتقد المعاد ويظهر فيها من بعض أفرادها ما يظهر من الفساد فكيف يكون حالها لو نسخ هذا الاعتقاد منها ؟ فبلا شك أن فسادها يصير عظيما . على أننا نرى الأمم التي انتشر فيها العلم الدنيوي لا سيما السياسي في هذا الزمان لا تزال آخذة في سبيل الشرور . بل كلما ازداد ذلك العلم بينها ازدادت شرورها وفشا بينها الزنا الّذي يضيع الانساب ، ويحل عقد التناحر وقتل النفوس والانتحار ، وإزالة العقل بالمسكرات والاحتيال بفنونها وصنائعها على سلب الأموال والغش والخديعة وكثير من الاخلاق المخلة بنظام الهيئة الاجتماعية . وما ذلك الا لان علومها التي برعت فيها ليست في اعتقاد المعاد نصيب » ، الحصون ص 98 ، ويقول أيضا « . . . لا بد من دار أخرى يحصل فيها ارتباط الخير والثواب والشر بالعقاب . . . » الحصون ص 95 - 96 .